مرشحة حزب الخضر – فيينا الخضراء تبدأ من الشارع… وليس من الشعارات

في حوار مثير مع وكالة الأنباء النمساوية (APA)، رسمت جوديت بيرينغر، المرشحة الأولى لحزب الخضر في انتخابات بلدية فيينا، ملامح رؤية طموحة لمدينة أكثر عدالة بيئية وديمقراطية.لا تتحدث بيرينغر بلغة الوعود العامة، بل تأتي محمّلة بمواقف جريئة وخطط ملموسة – تبدأ من موقف سيارة SUV ولا تنتهي عند حق التصويت للمقيمين.

في حديثها مع وكالة الأنباء النمساوية (APA)، أكدت بيرينغر ضرورة اتخاذ إجراءات جريئة في عالم التنقل الحضري. مستوحاة من نموذج باريس الذي فرض رسوم مواقف مضاعفة على سيارات الدفع الرباعي، ترى بيرينغر أن تلك الخطوة ليست مجرد إجراء مالي بحت، بل هي رسالة واضحة بأن الفضاء العام ليس سلعة خاصة بل حق مشترك للجميع. فكما تقول: “السيارات الكبيرة تحتل مساحة غير متناسبة من المجال العام، الذي يجب أن يكون متاحاً للجميع”. وهذه المبادرة تأتي في ظل ازدياد تسجيلات سيارات SUV في فيينا، مما يستدعي إعادة التفكير في أسلوب تنظيم حركة المرور وتوزيع المساحات.

البيئة كعدالة اجتماعية: الزراعة الحضرية وزرع 100 ألف شجرة

في إطار سعيها لإحداث تغيير حقيقي، تضع بيرينغر حماية المناخ على رأس أولوياتها. حيث طالبت بزراعة 100 ألف شجرة جديدة في فيينا بحلول عام 2030، وهي خطة تسعى إلى تبريد المدينة وتحسين جودتها البيئية في وجه موجات الحر المتزايدة. في ظل التحديات التي يواجهها المواطنون الذين يعيشون في مبانٍ ضعيفة العزل، يمثل تظليل الشوارع وتوفير المساحات الخضراء خطوة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والبيئية. فالمدن ليست مجرد أماكن للسكن، بل هي أنظمة حية تحتاج إلى استراتيجيات مستدامة تحمي الطبيعة وتضمن حياة كريمة للجميع.

إصلاحات ديمقراطية لتوسيع دائرة المشاركة

ولا تتوقف رؤية بيرينغر عند قضايا البيئة فقط، بل تمتد لتشمل إصلاحات ديمقراطية هامة. فقد وصف عدم تمتع 35% من سكان فيينا بحق التصويت في الانتخابات البلدية بأنه “فضيحة ديمقراطية”، خاصة وأن الكثير منهم وُلدوا ونشأوا في المدينة. وفي ضوء هذا الواقع، تقترح بيرينغر ربط حق التصويت بمدة الإقامة المسجلة في المدينة، مما سيساهم في منح فرصة للمقيمين للمشاركة الفاعلة في صنع القرار المحلي. هذه الخطوة تعد بمثابة فتح باب جديد أمام الديمقراطية الشمولية، حيث لا يُحسب المواطن بناءً على جنسيته، بل بناءً على ارتباطه وحرصه على مستقبل مدينته.

تحديات التعليم والبحث عن حلول جذرية

وتواجه فيينا أيضًا تحديات في مجال التعليم، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة كبيرة من تلاميذ الصف الأول الابتدائي لا يتقنون اللغة الألمانية بما يكفي للالتحاق بالدروس، رغم قضائهم سنوات في رياض الأطفال. ترى بيرينغر أن هذا الوضع يُظهر “فشلًا واضحًا في النظام التعليمي”، وتدعو إلى زيادة دعم تعليم اللغة وتوزيع التلاميذ بشكل متوازن بين المدارس. فالتعليم هو حجر الأساس لأي مجتمع يسعى للتقدم والازدهار، ولا بد من توفير بيئة تعليمية محفزة تضمن تكافؤ الفرص لكل طفل.

نقد المشاريع العملاقة وإعادة توجيه الأولويات المالية

وفي سياق التحديات المالية التي تواجه فيينا، حيث يُتوقع عجز مالي قدره 3.8 مليار يورو هذا العام، تنتقد بيرينغر مشروع “نفق لوباو” الذي يراه البعض مشروعاً باهظ التكلفة ومهدرًا للموارد. ففي رأيها، إن استثمار الأموال في مشاريع مستقبلية تخدم السكان بشكل مباشر أفضل من ضخ مبالغ ضخمة في مشاريع تفتقر إلى الجدوى البيئية والاجتماعية. وتدعو بيرينغر إلى التفاوض مع الحكومة الاتحادية لإبرام اتفاق تمويلي جديد يضمن تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية والخدمات الاجتماعية دون المساس بها.

المستقبل السياسي ورحلة ما بعد الانتخابات

رغم أن بيرينغر لم تحدد بعد هدفها الانتخابي الرقمي، إلا أن طموحها السياسي واضح، حيث تأمل في أن يكون لحزب الخضر دورٌ لا يمكن تجاوزه في فيينا. وترى أن التحالف بين الحزب الاشتراكي والخضر هو السبيل الأمثل للتغلب على الجمود الذي تعاني منه السياسة التقليدية، مؤكدًة أهمية العودة إلى التحالفات التي ترتكز على القيم المشتركة والمبادئ الديمقراطية الحقيقية. وتبرز علاقاتها الشخصية مع العمدة ميخائيل لودفيغ كمؤشر على القدرة على بناء جسور التعاون رغم الخلافات السياسية، مما يعكس روح التعايش والتفاهم في الحياة العامة.

رؤية جريئة لمستقبل أفضل

في النهاية، تُعد رؤية جوديت بيرينغر بمثابة دعوة صريحة لإعادة النظر في كيفية تنظيم الحياة الحضرية. فهي لا تسعى فقط إلى وضع حلول قصيرة المدى، بل تقدم نموذجاً مستقبلياً يضمن العدالة الاجتماعية والبيئية والديمقراطية في آن واحد. وبينما تتوالى التحديات من مختلف الجبهات، يبقى السؤال: هل سنشهد تحولاً حقيقياً يقود فيينا إلى مستقبل أكثر إشراقاً واستدامة؟

إن هذه الدعوة للإصلاح الشامل تحمل بين طياتها الأمل والتحدي، وتُذكرنا بأن التغيير يبدأ بخطوة جريئة في قلب المدينة، حيث يتحول كل تحدٍ إلى فرصة، وكل فكرة إلى واقع ينبض بالحياة.

شاهد أيضاً

الشرطة النمساوية تنشر 500 عنصر إضافى لتأمين ماراثون فيينا

في إطار الاستعدادات لسباق ماراثون فيينا، أعلنت الشرطة النمساوية عن نشر 500 عنصر أمن، بما …