تشير دراسة أجراها معهد البحث الاجتماعي التجريبي (IFES) لعام 2024، بالتكليف من البرلمان، إلى أن معاداة السامية أصبحت مشكلة “شبابية” متزايدة. وأظهرت الدراسة أن الشباب، خاصة فيما يتعلق بقضايا إسرائيل، أبدوا ميولاً معادية لليهود أكثر من الأجيال الأكبر سناً. واعتبر رئيس مجلس النواب والتر روزنكرانتس (FPÖ) في حديثه مع وكالة الأنباء الآسيوية (APA) أن النتائج تشكل دعوة للحكومة للعمل.
لأجل هذه الدراسة، التي تُجرى منذ عام 2018 كل عامين، تم إجراء مقابلات هاتفية وعبر الإنترنت مع 2037 شخصًا من سن 16 عامًا فما فوق في جميع أنحاء النمسا خلال شهري أكتوبر ونوفمبر من العام السابق. وشملت عينة إضافية عدد 1080 شخصًا، منهم 577 شخصًا من أصول تركية و503 أشخاص من أصول عربية.
وتظهر الدراسة أيضًا ركودًا أو حتى انخفاضًا طفيفًا في بعض المواقف المعادية للسامية؛ فقد أعرب 13 بالمائة من المشاركين عن مواقف معادية للسامية بشكل واضح، مقارنةً بـ15 بالمائة في عام 2022. وبقيت النسبة المتعلقة بمستوى معاداة السامية الكامنة عند 33 بالمائة (مقارنة بـ32 بالمائة في 2022). وكان الأفراد الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة والذين يفتقرون إلى المعرفة عن اليهودية، إلى جانب من يتبنون مواقف معادية للسياسات الأمريكية، أكثر ميلاً لاعتناق مواقف معادية للسامية.
“تغاضي عن فظائع النازية”
مع ذلك، برز الشباب بوضوح في تبنيهم لمواقف أكثر عدائية، في حين يُعد مستوى التعليم الرسمي العالي عاملًا وقائيًا ضد معاداة السامية التقليدية. لم يقتصر الأمر على مواقف معادية لإسرائيل فقط – خاصة بعد الهجوم الإرهابي الذي نفذته حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 – بل أن الشباب وافقوا على تصريحات أخرى معادية للسامية بمعدلات أعلى من كبار السن. فقد اعتقد حوالي 15 بالمائة من الشباب دون سن 25 عامًا أن التقارير حول معسكرات الاعتقال تبالغ في تصوير الأحداث.
وفيما يتعلق بالتصريح القائل: “بالسياسات التي تنتهجها إسرائيل يمكنني أن أتفهم أن البعض يشعر بأنهم لهم حق في معاداة اليهود”، وافق عليه 31 بالمائة من المشاركين، بزيادة قدرها ثمانية نقاط مئوية. كما زادت نسبة الذين وافقوا على العبارة: “يعامل الإسرائيليون الفلسطينيين بطريقة مشابهة لكيفية معاملة الألمان لليهود خلال الحرب العالمية الثانية”، لتصل إلى 35 بالمائة مقارنة بـ30 بالمائة في عام 2022. واصفًا هذه التصريحات، أشار منسق المشروع توماس شتيرن إلى أنها “بالتأكيد تُعتبر تمجيدًا لفظائع النازية”.
معاداة السامية أكثر انتشارًا بين من هم من أصول عربية وتركية
كانت الميول المعادية للسامية أكثر وضوحًا بين الأشخاص ذوي الخلفية التركية أو العربية، كما كان الحال قبل عامين. كما أن الأشخاص ذوي النظرة الأبوية المتشددة كانوا يظهرون تحاملات سلبية أكبر. ومن اللافت أيضًا أن معدلات معاداة السامية ترتفع حتى بين الحاصلين على شهادات جامعية. ويرى إيفا زيغلويتس من IFES أن سببًا لهذا التوجه، خاصة بين الشباب، هو تغيير نمط استهلاك الوسائط؛ إذ بات الشباب يعتمدون بشكل أساسي على وسائل التواصل الاجتماعي التي كثيرًا ما تعزز نظريات المؤامرة.
تُعتبر النتائج المقلقة بين الشباب بمثابة دعوة موجهة إلى نظام التعليم. فبالنظر إلى تصريحات توماس شتيرن، “يجب إعادة التفكير تمامًا في تعليم المحرقة”، حيث أشار إلى أنه على الرغم من الجهود المبذولة في التدريس، إلا أنها لا تكفي بعد. وتعتبر مهمة السياسة التأكد من إدراج موضوع المحرقة وتأثيراتها في مناهج التعليم، إذ أن معاداة السامية لا تزال حاضرة.
رئيس مجلس النواب منفتح بشأن مركز المحرقة
أشار والتر روزنكرانتس إلى إمكانية تحسين بعض الجوانب في التعليم حول المحرقة، ليس فقط في الجانب التعليمي. كما أبدى انفتاحه تجاه فكرة إنشاء مركز للمحرقة في فيينا، وهو مشروع ترغب به الجمعية الدينية اليهودية في فيينا (IKG)، والذي من المقرر أن يحظى بدراسة جدوى وفقًا للبرنامج الحكومي. ورحب روزنكرانتس باستمرار إعداد دراسة معاداة السامية، مشددًا على أن “معاداة السامية لا تزال تشكل خطرًا مستمرًا على تماسك المجتمع وقيمنا الأساسية”.
الحكومة قلقة من النتائج
أكد سكرتير الدولة في مكتب رئيس الحكومة، ألكسندر برول (ÖVP)، أن النتائج تُعتبر بمثابة جرس إنذار، خاصة مع تزايد المواقف المعادية لإسرائيل، مما يستدعي تعديل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة معاداة السامية. وأوضح أن تطوير الاستراتيجية يتماشى مع البرنامج الحكومي، حيث سيتم مكافحة معاداة السامية بكل الوسائل القانونية، سواء عبر التعليم أو السياسة الواضحة. وأضافت وزيرة الاندماج، كلوديا بلاكولم (ÖVP)، أن معاداة السامية تتعارض مع قيم التعايش، مشيرةً إلى أن الزيادة في المشكلة المرتبطة بمعاداة السامية بين المسلمين تستدعي إنهاء تدفقها.
من جانبه، شدد وزير الداخلية، جيرهارد كارنر (ÖVP)، على أن معاداة السامية تأتي من جميع التيارات السياسية، وأنها ستواجه من قِبل الشرطة والأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى العمل الوقائي في المدارس والمنظمات، باستخدام كافة الوسائل القانونية المتاحة. وأوضح سكرتير الدولة بوزارة الداخلية، يورغ لايشتفريد (SPÖ)، أن هناك صلة بين التطورات خارج أوروبا والتطرف داخل النمسا، وأنه يجب مواجهة كل من النظريات الأبوية والتسلطية ونظريات المؤامرة والمعاداة للسامية على مستوى المجتمع بأسره. وأشار إلى أن العالم الرقمي يُعد بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضللة التي يجب مواجهتها بحزم.
كما أكد وزير التعليم، كريستوف فيردركير من حزب NEOS، أن معاداة السامية لا تزال تهديدًا للمجتمع، وأن التعليم الراقي هو السبيل لمواجهتها. وأفاد بأن العديد من المبادرات ستعمل على تعزيز المواقف الديمقراطية لدى الطلاب في مواجهة معاداة السامية، كما سيتم تطوير توصيات علمية للمدارس للتعامل مع هذه الظاهرة. وأخيرًا، أكد فيردركير أن الاستراتيجية الوطنية الجديدة لمكافحة معاداة السامية ستولي اهتمامًا كبيرًا للوقاية من خلال التعليم.